فصل: مساوئ التحليل والتشنيع على فاعله
ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردا بوطئها فإذا هو والمحلل فيها ببركه التحليل شريكان فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء وألقاها بين براثن العشراء والحرفاء ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها وعناق القنا دون عناقها والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها وسل أهل الخبرة كم عقد المحلل على أم وابنتها وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين وذلك محرم باطل في المذهبين وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تفرد بالذكر وهي كموجة واحدة من الأمواج ومن يستطيع عد أمواج البحر وكم من امرأة كانت قاصرة الطرف على بعلها فلما ذاقت عسيلة المحلل خرجت على وجهها فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد ذلك بشملها وما كان هذا سبيله فكيف يحتمل أكمل الشرائع واحكمها تحليله فصلوات الله وسلاما على من صرح بلعنته وسماه بالتيس المستعار من بين فساق أمته كما شهد به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدونه
ص -44-…على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحا أما ابن مسعود ففي مسند الإمام احمد وسنن النسائي وجامع الترمذي عنه قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له قال الترمذي حديث حسن صحيح وقال سفيان الثوري حدثني أبو قيس الاودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل الربا وموكله" ورواه النسائي والإمام احمد وروى الترمذي عنه لعن المحلل وصححه ثم قال والعمل عليه عنه أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وهو قول الفقهاء من التابعين ورواة الإمام احمد من حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن المحلل والمحلل له" وفي مسند الإمام احمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث عن ابن مسعود قال: "آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به والواصلة والمستوصلة ولاوي الصدقة والمعتدى فيها والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة" وأما حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ففي المسند وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة من حديث الشعبي عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له وأما حديث أبي هريرة ففي المسند للإمام احمد ومسند أبي بكر بن أبي شيبة من حديث عثمان بن الأخنس عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المحلل والمحلل له" قال يحيى بن معين عثمان بن الأخنس ثقة والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر المخرمي ثقة من رجال مسلم وثقه احمد ويحيى وعلى غيرهم فالإسناد جيد وفي كتاب ألعلل للترمذي ثنا محمد بن يحيى ثنا معلى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن محمد الأخنس عن سعيد المقبري عن
أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل
ص -45-…والمحلل له" قال الترمذي سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقا هو حديث حسن وعبد الله بن جعفر الخرمي صدوق وعثمان بن محمد الأخنس ثقة وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري وقال شيخ الإسلام ابن تيمية هذا إسناد جيد وأما حديث جابر بن عبد الله ففي جامع الترمذي من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن المحلل والمحلل له" ومجالد وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهد ومقو وأما حديث عقبة بن عامر ففي سنن ابن ماجة عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار" قالوا: بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له" رواه الحاكم في صحيحه من حديث الليث بن سعد عن مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر فذكره وقد أعل هذا الحديث بثلاث علل إحداها ان أبا حاتم البستي ضعف مشرح بن عاهان والعلة الثانية ما حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري فقال سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث عن مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل والمحلل له ولعن الله المحلل والمحلل له" فقال عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا ما أرى الليث سمعه من مشرح بن عاهان لأن حيوة يروى عن بكر بن عمرو عن مشرح والعلة الثالثة ما ذكرها الجوزجاني في ترجمته فقال كانوا ينكرون على عثمان هذا الحديث إنكارا شديدا فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي مشرح قد وثقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان قلت وهو صدوق عند الحفاظ لم يتهمه أحد ألبتة ولا أطلق عليه أحد من أهل الحديث قط أنه ضعيف ولا ضعفه ابن حبان وإنما يقال يروى عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابع عليها فالصواب ترك ما انفرد به وانفرد ابن
حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه وأما العلة الثانية فعبد الله ابن صالح قد صرح بأنه
ص -46-…سمعه من الليث وكونه لم يخرجه وقت اجتماع البخاري به لا يضره شيئا وأما قوله إن حيوة يروى عن بكر بن عمرو بن شريح المصري عن مشرح فإنه يريد به أن حيوة من أقران الليث أو اكبر منه وإنما روى عن بكر بن عمرو عن مشرح وهذا تعليل قوى ويؤكده أن الليث قال قال مشرح ولم يقل حدثنا وليس بلازم فإن الليث كان معاصرا لمشرح في بلده وطلب الليث العلم وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام إنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد وإنما هو لتوهم انفراده به عن الليث وظنهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذا فيه وعلة قادحة وهذا لا يتوجه ههنا لوجهين أحدهما أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه رويناه من حديث أبي بكر القطيعي ثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثني العباس المعروف بأبي فريق ثنا أبو صالح حدثني الليث به فذكره ورواه أيضا الدارقطني في سننه ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح فذكره الثاني أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه روى عنه البخاري في صحيحه وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وقال هو شيح صالح سليم التأدية قيل له كان يلقن قال لا ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة وإنما الشاذ ما خالف به الثقاب لا ما انفرد به عنهم فكيف إذا تابعة مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه وهو ثقة أيضا وان كان قد وقع في بعض حديثه غلط ومشرح بن عاهان قال فيه ابن معين ثقة وقال فيه الإمام احمد هو معروف فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن انتهى وقال الشافعي ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجة في سننه عنه
قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له" وفي إسناده
ص -47-…زمعة بن صالح وقد ضعفه قوم ووثقة آخرون وأخرج له مسلم في صحيحه مقرونا بآخر وعن ابن معين فيه روايتان وأما حديث عبد الله بن عمر ففي صحيح الحاكم من حديث ابن أبي مريم حدثنا أبو غسان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة بينه ليحلها لأخيه هل تحل للأول قال لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال سعيد في سننه ثنا محمد بن نشيط البصري قال قال بكر بن عبد الله المزني لعن المحلل والمحلل له وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار وعن الحسن البصري قال كان المسلمون يقولون هذا التيس المستعار


اسم المؤلف:
محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية 751هـ
دراسة وتحقيق:
طه عبد الرؤوف سعد
القسم:
اصول الفقه
الناشر:
مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة 1388هـ/1968م
عدد المجلدات:
4
عدد الصفحات:
1501
لاطلاع على الكتاب إاليكم الرابط:
http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=312