لمن الغنيمة، وما صفة قسمها؟ ومن الذي لا يسهم له؟ وما مقدار السهم للراجل والفارس؟ وإذا غزا اثنان على فرس فما الحكم؟ ولمن سهم الفرس المغصوب والمعار والمستأجر والحبيس؟ وإذا زادت الخيل عن فرسين أو كان الفرس هجينًا فما الحكم؟ وهل يسهم لغير الخيل؟
ج: الغنيمة: لمن شهد الوقعة من أهل القتال يقسم أمام الباقي، بعد ما سبق بين من شهد الواقعة لقصد القتال، أو لمن يقاتل؛ لما روي عن عمر أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأن غير المقاتل ردء للمقاتل لاستعداده للقتال أشبه المقاتل، بخلاف من لم يستعدوا للقتال؛ لأنهم لا نفع فيهم.
ويسهم لمن بعثه الإمام في سرية أو مصلحة؛ لما ورد عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام، يعني يوم بدر، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وأنا أبايع له» فضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره. رواه أبو داود.
وعن ابن عمر قال: لما تغيب عثمان عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت مريضة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن لك أجر رجل وسهمه» رواه أحمد والبخاري والترمذي، ويسهم أيضًا لمن أرسله الإمام أو بعثه جاسوسًا أو دليلاً، ولمن خلفه في بلاد العدو، وغزا الأمير ولم يمر به فرجع؛ لأنه في مصلحة الجيش، وهو أولى ممن حضر الواقعة ولم يقاتل، ولو مع منع غريم له، أو منع أب له، لتعين الجهاد عليه بحضوره الصف، ولا يسهم لمن لا يمكنه القتال لمرض، ولا لدابة لا يمكنه قتال عليها لمرض كزمانة وشلل لخروجه عن أهلية الجهاد، بخلاف حمى يسيرة وصداع ووجع ضرس ونحوه، فيسهم له؛ لأنه لم يخرج عن أهلية الجهاد.
ولا يسهم لمخذل ومرجف ونحوهما، كرام بيننا بفتن ومكانب بأخبارنا؛ لأنه ممنوع من الدخول مع الجيش.
ولا بسهم لمن نهاه الأمير أن يحضر فلم ينته لأنهم عصاة، ولا لكافر لم يستأذن الإمام، ولا لعبد لم يأذن له سيده في غزو لعصيانهما، ولا لطفل، ولا مجنون؛ لأنهما لا يصلحان للقتال.
ولا من فر من اثنين كافرين لعصيانه، فيسهم للرجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، إذا كان عربيًا؛ لما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له. متفق عليه.
وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهمًا. رواه الأثرم.
وعن أبي عمرة، عن أبيه قال: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة نفر ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين. رواه أحمد وأبو داود.
قال ابن المنذر: للرجل سهم، وللفارس ثلاثة، هذا قول عامة أهل العلم في القديم والحديث، وقال خالد الحذاء: لا يختلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم هكذا للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا.
وإن كان الفرس هجينًا، أو مقرفًا عكس الهجين، فيعطي سهمًا له، وسهمًا لفرسه. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه برذون، والمقرف: الذي أبوه برذون وأمه عربية.
قالت هند بنت النعمان بن بشير لما تزوجها الحجاج بن يوسف:
وما هند إلا مهرة عربية ... سلالة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت مهرًا كريمًا فبالحري ... وإن بك إفراف فما أنجب الفحل
وإن كان على برذون، وهو ما أبواه نبطيان، فيكون له سهمان: سهم له وسهم لفرسه، لحديث مكحول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهمًا. رواه سعيد؛ ولحديث أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان، يقال له: المنذر بن أبي حمضة، فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها، مثل التي لم تدرك، ففصل الخيل، فقال: هبلت الوداعي أمه أمضوها على ما قال. رواه سعيد.
وإن غزا اثنان على فرسهما، فلا بأس به وسهمه لهما بقدر ملكهما فيه، كسائر نمائه، وسهم فرسه مغصوب غزا عليه غاصبه أو غيره، لمالكه، ولو من أهل الرضخ لأن نماءه أشبه ما لو كان مع مالكه؛ ولأن سهمه يستحق بنفعه، ونفعه لمالكه، فوجب أن يكون ما استحق به.
وسهم فرس معار ومستأجر وحبيس لراكبه، إن كان من أهل الإسهام لقتاله عليه مع استحقاقه لنفع الفرس، فاستحقه سهمه، ولا يمنع منه كونه حبيسًا؛ لأنه حبيس على من يغزو عليه.
ويعطي راكب حبيس نفقة الحبيس من سهمه؛ لأنه نماؤه ولا يسهم لأكثر من فرسين من خيل الرجل، فيعطي صاحبها خمسة أسهم: سهم له وأربعة لفرسيه العربيين؛ لحديث الأوزاعي: كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم لرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس.
وروى معناه سعيد عن عمر، ولأن للمقاتل حاجة إلى الثاني؛ لأن إدامة ركوب فرس واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه بخلاف ما زاد.
ولا شيء من سهم ولا رضخ لعير خيل؛ لأنه لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم لعير الخيل، وكان معه يوم بدر سبعون بدر سبعون بعيرًا، ولم تخل غزوة من غزواته من الإبل، بل هي غالب دوابهم، ولو أسهم لها لنقل، وكذا أصحابه –عليه الصلاة والسلام- من بعده؛ ولأنه لا يمكن عليها كر، ولا فر.
قال الشيخ: ويرضخ للبغال والحمير، وهو قياس الأصول كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان.
قال ابن القيم: ونص أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، والعطاء الذي أعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقريش والمؤلفة، هو من النفل، نفل به النبي - صلى الله عليه وسلم - رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به، وقومهم على
الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع
بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته، واستجلاب عدوه إليه، وهكذا وقع سواء، وللإمام أن يفعل ذلك؛ لأنه نائب عن المسلمين إذا دعت الحاجة، فيتصرف لمصالحهم وقيام الدين.
وأن تعين الدفع عن الإسلام والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم تعين عليه. اهـ.
منقول من :
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق